التفسير الرومانسي لقصيدة العودة للشاعر المصري محمد عبد المعطي الهمشري التي مطلعها:
رجعت إِليك اليوم من بعد غربتي وفي النفس آلام تفيض ثوائر
بقلم / أيمن دراوشة.
الشاعر محمد عبد المعطي الهمشري شاعر مصري توفي عام 1938، عمل محررًا بمجلة «التعاون» في قسم التعاون بوزارة الزراعة (1935) حتى وفاته أثناء إجراء عملية جراحية له. جمعته صداقة في مدينة المنصورة ب"شاعر النيل والنخيل" صالح جودت، و"شاعر الأطلال" إبراهيم ناجي، و"شاعر الجندول" علي محمود طه، وكانوا يلتقون عند صخرة الملتقى التي وثق لها شعريًا إبراهيم ناجي "{على شاطئ النيل". كان عضوًا بجماعة أبولو الشعرية.له أشعار رائعة ما زالت متداولة لغاية الآن إضافة إلى ديوان شعري جمعه وحققه وقدم له صالح جودت عام 1973.
كعادة الشعراء الرومنسيين يصرح الشاعر في رائعته العودة بعواطفه ومعاناته لخروجه من قريته إلى المدينة، وأظنه يقصد القاهرة.
ويصور الشاعر عودته إلى قريته بمشيه وحيدًا، تائه الفكر، حزينًا، فتتلون عاطفة الحزن من لدن الشاعر مع عناصر الطبيعة، ومع نفسيته المنقبضة.
فالعرائش يخيم فوقها وحشة، ويلف أوراقها الصمت، والربا عارية من الزهر، والخمائل لا تغرد فيها الطيور.
وعلى الرغم من رؤية الشاعر للمآذن المنيرة فيأنس بها، إلا أن أنسه سرعان ما يخفت لرؤيته المقابر على الأفق البعيد.
إذًا فالشاعر يلون نفسه مع الطبيعة لتشاركه أحزانه، فتخفف من همه، ليرسم الشاعر صورة نادرة، وهي صورة الانسجام والتعاطف بينه وبين الطبيعة.
يرى الشاعر في حالته النفسية إلى الطبيعة بمنظور واحد، وشعور واحد، هو شعور الكآبة والحزن، فكانت قضيته هي قضية الغربة، والبعد عن الأهل والأحباب، بخيال خلاق في قمة الرومنسية والتعبير.
يعيش الشاعر حالة نفسية خاصة، وينظر إلى فرديته لا إلى فردية غيره.
ما يميز قصيدة الهمشري ازدحامها بالصور البيانية التي تعبر تعبيرًا صادقًا عن طبيعة التجربة التي بثت الحياة في الطبيعة فجعلتها حزينة كئيبة صامتة مصفرة ...
هذه العاطفة المتدفقة لا تتيح للشاعر انتقاء ألفاظه، بل تنساب على لسانه انسياب عاطفته، فيحول ذلك بينه وبين صقل التعابير.
لن أطيل كثيرًا، فالشاعر قد أشرك الطبيعة بعواطفه، وعدّ الغربة (المدينة) رمزًا للشر فبث مشاعره للطبيعة فإذا هي كائن حي يسعى، وتحس بالألم كما يحس الشاعر نفسه.
القصيدة من الشعر الغنائي بامتياز، والاعتماد فيها كان على الخيال، الذي هو خَلق وإبداع لدى الشاعر الرومنسي الذي لم يتكلف الألفاظ ولا التعابير، ولا الصنعة الفنية.
قصيدة العودة للشاعر محمد عبد المعطي الهمشري:
رَجِـعـتُ إِلَيـكِ اليَـومَ مِـن بَـعدَ غُربَتي
وَفــي النَــفــسِ آلامٌ تَــفــيـضُ ثَـوائِرُ
رَجِــعــتُ وَعَـقـلي تـائِهُ الفِـكـرِ شـارِدٌ
وَأُبــتُ وَقَــلبــي واهِـنُ الخَـفـقِ خـائِرُ
فَـيـا أَرضَ أَحـلامـي أَأَلقـى طُـفـولَتـي
وَيُــســعِــدُنــي يَــومٌ مِـنَ العُـمـرِ آخَـرُ
تَـعَـسَّفـتُ فـيـكِ اللَيـلَ وَالريـحُ صَـرصَرٌ
وَخُــضــتُ إِلَيـكِ المَـوجَ وَالنَهـرُ ثـائِرُ
أَتَـــيـــتُ لِأَلقــى فــي ظِــلالِكِ راحَــةً
فَــيَهــدَأَ قَــلبــي وَهـوَ لَهـفـانُ حـائِرُ
أَمــوتُ قَـريـرَ العَـيـنِ فـيـكِ مُـنـعِـمـاً
يُــخَــدِّرُنــي نَــفــحٌ مِـنَ المُـرجِ عـاطِـرُ
وَيَــلحَـفُـنـي هـذا البَـنَـفـسَـجُ وَلتَـكُـن
مَــســارِحُ عَــيـنَـيَّ الرُبـا وَالمَـحـاضِـرُ
وَآخِــرَ مــا أُصــغـي إِلَيـهِ مِـنَ الصَـدى
خَـريـرُكِ يَـفـنـى وَهـوَ في المَوتِ سائِرُ
وَلكِــن بِــلا جَــدوى أَتَـيـتُ فَـلَم أَجِـد
سِــوى قَــفــرَةٍ أَشــبــاحُهــا تَـتَـكـاثَـرُ
وَقَـد نَـصَـبَـت أَيـدي الشِـتـاءَ سِـياجَها
عَــلَيــهــا وَأَســوارُ الظَـلامِ تُـحـاصِـرُ
وَقَـد خَـيَّمـَ الصَـمتُ الهَتوفُ مَعَ البِلى
عَــلَيــكِ وَأَرواحُ الدُجــى تَــتَــنــافَــرُ
وَقَـد هـاجَـمَ الغـابُ الكَـثـيفُ غِياضَها
لِيَــغــزوهــا وَالمَــوجُ يَــزبِــدُ هــادِرُ
وَهَــبَّ نَــســيــمٌ بــارِدٌ مِــن كُهــوفِهــا
تُــجـاوِبُهُ فـي الريـحِ هَـذي المَـغـاوِرُ
وَقَــد رَفـرَفَ الخُـفـاشُ فـيـهـا وَحَـوَّمَـت
عَـلى الشَـطِّ غِـربـانُ الفَناءِ الكَواسِرُ
وَداوِيَّةـــٌ لِلبـــومِ مِــن فَــوقِ سَــرحَــةٍ
قَـضـى فَـوقَهـا مِـن قـارِسِ البَردِ طائِرُ
تُـرتِـلُ لَحـنَ المَـوتِ فـي مَـعبَدِ الدُجى
وَتَـروي أَسـاطـيـراً رَوَتـهـا الدَيـاجِـرُ
كَــأَنَّكــَ فــي سِــفـرِ اللَيـالي مَـلاحِـمٌ
يُــرَتِّلــُهــا فـي جـانِـبِ المَـوتِ شـاعِـرُ
لَقَــد حَــكَــمَ المَـوتُ المُـشَـتِّتـُ حُـكـمَهُ
عَـلَيـنـا وَأَحـداثُ اللَيـالي الجَـوائِرُ
فَـيـا كَـوكَـبـاً فَـوقَ العَـواصِـفِ ساهِماً
يُــتــابِــعُهُ طَــيـفُ الدُجـى وَهـوَ غـائِرُ
وَيـا شُـعـلَةَ النـوتي تَخفِقُ في الدُجى
وَقَـد هـاجَـمَـتها الريحُ وَالنوءُ صافِرُ
وَيـا زَهـرَةً فـي شـاطيءِ الحُزنِ أَينَعَت
وَقَـد أَتـحَـفَـت مِـنـهـا الخَـريفَ بَواكِرُ
نَـمَـت وَحـدَهـا لَم تَـلقَ غَـيـرَ ظِـلالَها
أَليــفــاً تُــشـاكـيـهِ الأَسـى وَتُـسـاوِرُ
أَلا فَـاِسـتَـريـحي الآنَ حَسبُكِ وَاِهدَئي
فَـإِنَّ تَـحَـمُّلـي مـا تَـسـتَـبيحُ المَقادِرُ
رَكِـــبـــتِ مَــعَ الآمــالِ كُــلَّ مَهــوبَــةٍ
وَعُـدتِ كَـمـا عـادَ الطَـريـدُ المُهـاجِـرُ
رَأى خَــلفَ أَســوارِ المَــديــنَـةِ دَوحَـةً
حَــنَــت فَـوقَهُ بِـالظِـلِّ وَاليَـومُ نـاجِـرُ
لَقَـد فَـرَغَـت فـي عـالَمِ الحُـزنِ جَولَتي
وَمـا فَـرَغَـت مِـنّـي اللَيـالي الدَوائِرُ
فَـيـا أُفـقَ الدُنـيـا وَيـا فَجرَ لَيلِها
وَمَـن خَـفَـقَـت فـيـهِ المُـنـى وَالخَواطِرُ
وَمِــن تَــسـبَّحـِ الأَحـلامُ فـي مَـلَكـوتِهِ
حَـيـارى وَتَـفـنـى فـي هَـواهُ المَـشاعِرُ
أَيــا شَــفَــقــاً فــي عــالَمٍ جَــوُّ أَرضِهِ
خَــيــالٌ عَـلى الوادي المَهـومِ سـاهِـرُ
تَــحِـفُّ بِهـا فـي الصَـمـتِ أَشـجـارُ جَـنَّةٍ
يُـفـاوِحُـنـي مِـنـهـا عَـلى الوَهمِ عاطِرُ
وَأَســمَــعُ مــوســيــقــى بِهــا ذَهَــبِــيَّةٍ
تَــفــيــضُ بِهـا فَـوقَ المُـروجِ قَـيـاثِـرُ
وَأَتــرُكُ عَــيــنـي فـي الخَـيـالِ تَـشُـقُّهُ
فَــأَلمَــحُ أَشــبــاحــاً هُــنـاكَ تُـسـامِـرُ
لَقَــد هَــدَأَت ريــحُ الكُهــوفِ وَنَــفَـضَـت
عَـلى الأُفـقِ مِـن حُـلمِ المُروجِ بَشائِرُ
وَقَــد خَــفَـقَـت بَـيـنَ العَـرائِسِ نَـسـمَـةٌ
يُـعـابِـثُهـا فـي غَـفـوَةِ الفَـجـرِ ثـامِرُ
بَـدا الصُـبحُ فَوقَ المَرجِ أَصفَرُ ناصِلاً
فَــلاحَــظَهُ زَهــرُ الرُبــا وَهــوَ حــائِرُ
وَمــا نَــفَــحَــت فَــوقَ الرَبـاوَةِ زَهـرَةٌ
وَلا دَفَّ فــي هَــذي الخَــمــائِلِ طــائِرُ
وَقَـد نَـتَـفَ الشَـحرورُ في الرَوضِ ريشَهُ
وَحَــلَّت مِــنَ الصَــفـصـافِ فـيـهِ ضَـفـائِرُ
وَقَــد خَــيَّمــَت فَــوقَ العَــرائِشِ وَحـشَـةٌ
وَصَـمـتٌ عَـلى أَوراقِهـا الصُـفـرِ نـاشِـرُ
لَقَـد خَـفَّ نَـسـمُ الصُـبـحِ يَهـمِـسُ ناعِياً
إِلى السَهلِ أَن قَد فارَقَ الكَونَ شاعِرُ
لِذا نَـقَـسَ النَـحـلُ الزُهـورَ فَـجَـلجَـلَت
وَنـابَـت عَـنِ الأَجـراسِ هَـذي الأَزاهِـرُ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق