( هوبي ) رجل طيب يمتهن الصحافة … لم يركع لصنم قط … وعندما ملئت مرارة الصبار حلقه ، وأصبح رأسه نيشاناً لطلقات المتدربين ، قرر الهروب الأول ٠ ( عبر البحار ، وأستقر في بلاد الكفر ) *
بعد سقوط الصنم ومدربيه بيد الكفرة الفجرة ، دخل مع الداخلين ذات صباح مبارك ٠
سمائه كانت توّاقة لإن يمطر قلمه خيراً وسلاماً في أرضه ، ويرسم آمال الناس بأشكال مبهرة فقد صرّح يومها :
٠–الناس هنا يستحقون الابتسام ، بعد طول العويل …
حلم طالما ظل محبوساً داخله وهو في الغربة يهبط عليه الآن ٠
( بعد سنوات من النضال )
——————————— :
قال له رجل مسن :
—- لقد ركبت القطار الخطأ ولدي …
وفعلاً رغم أرتفاع الأصابع البنفسجية لعدة مرات بقي الزمان والمكان دونما حراك ، ولمس بإن الناس غير مقتنعين بما يدور ٠
ذات ليلة رفع رأسه المهموم صوب القمر ، فرآه محمراً …ويزداد حمرة كأنه رأس مذبوح … خجلاً من قادمات الأيام فردد مع نفسه :
—— الأيام المسالمة هي بعيدة المنال جداً …
متعة النعيم الموعودة تحولت الى بؤس عظيم ، وآماله المتطاولة تقزمت امامه بل وتمزقت نتفاً ، وإن بلوغ كامل المزايا للناس قد إنهدمت وإنهارت تماماً ، وزادت خيبته عندما شهِد بأم عينيه مصرع حبيبته ،تلك المعشوقة التي كانت تستظل بفيء شجرة وحيدة أنبتها الله على فسحة من الأرض ، عيناها أعمق من السماء ،تشع كأنها فتاة النور ، شعرها يتموج كالبحر ، منسدل شعرها كعبائة الليل… أُطلق عليها النار تحت ستار السلامة الأخلاقية ، والعشائرية الهمجية ٠
صعدت المرارة مرة أخرى …مرارة الصبار ملئت حلقه ثانية ، وتيقن بأنه سقط في عالم يبدو له بدون مخرج ، وسط قيم مبعثرة ، ومنقوصة في التدين ، مهيئة سلفاً للركوع اللانهائي للأصنام التي بدأت تدب بها الحياة مرة ثانية والتي تكاثرت بشكل مخيف ، وهنا صرّح أمام الأعلام بكل شجاعة :
— لقد جلبت العار لنفسي …
كان ( هوبي ) واحد منهم آنذاك … وعندما دخلوا دخل معهم ، فُتحت لهم البلاد ، دخلوا آمنين مشرّعوا الدستور الجديد ، ولو كان يدري ما شاركهم الدخول ، ولبدّل صرخاته الى :
— أفتحوا لنا أبواب الإسطبل بدل العاصمة …
قد شرِبوا حد الثمالة نخب التحول الى المجهول ، المثير للسخرية ، وهؤلاء الفاتحون الجدد تبين إن غرائزهم منحطة ،وكان ينظر اليهم يوماً بأنهم ملائكة يمشون على الأرض ، واليوم تطير أرواحهم خفافيش وغربان ٠
(هوبي ) يتقاطع معهم بشدة اليوم … وبات يدري من إنه وباقي الناس هم مجرد بيادق في لعبة منحرفة يلهو بها الشيطان الاكبر عن بعد ، وكيفما يشاء ، في إنكشاف جديد ، شديد التعقيد ، ومثير للسخرية ٠
( هوبي ) الآن يصاب بالدوار …حيث أختلت الموازين عنده ويبدو كأنه ركب مصعداً دونما أبواب … يصعد به وحيداً في أعلى طبقات الغلاف الجوي حيث تتبخر ما تبقى لديه من آمال وميول سياسية ،وظل (هوبي) مشرداً ، يدور كالمجنون ،يبحث عن مهرب في الأماكن السرية ، بين الشقوق والصدوع ،في جدار الوطن لعله يجد ثغرة ينفذ منها ليعود الى بلاد الكفر مرة ثانية ……

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق