تنبه المسافرون الي التوقف التدريجي للقطار في ساعة مبكرة من الصباح مما ينبئ أنه قد وصل إلي محطته فقام احدهم بفتح النافذة فانساب منها الهواء البارد ليغلف جميع من في عربة القطار , لحظات بسيطة مرت علي الجميع وهم يتنسمون العبير الاتي من النافذة حتي تنبه بعضهم لانفتاح باب العربة إيذانا بنزول من وصل لغايته منهم وليصعد إليها مسافرون جدد .
وبدت العربة شبه فارغة من الركاب حتي اندفع اليها بعض الشباب الذين يبدو من ملابسهم العسكرية انهم من المجندين الجدد , اندفعوا بحيوية وحياة تناسب أعمارهم ووجوههم .
وقبل أن يغلق الباب صعد رجل وزوجته الي العربة بمساعدة بعض الركاب , الرجل يبدو صامتا حزينا بملامحه التي انهكها الزمن , عيناه تلمعان كأنه يغالب دموعه ,نحيل الجسم كأنه الزمن قد نال منه ما نال, يتحرك ببطء وتثاقل كأنه لا يهتم او أنه قد سئم الحياة , ثم رمي بنفسه علي مقعده دون مبالاة , أما الزوجة فتبدو في ملابسها السوداء كأنها ليلة حالكة السواد , وجهها متجهم لا تعرف الابتسامة طريقا اليه ,ناقمة علي الحياة وقد تجمدت ملامحها علي حزن قديم بدا واضحا للكافة .
وفجأة لمعت عينا الزوج كأنه قد تذكر شيئا , فوقف مسرعا ليطوق باهتمام كتفي زوجته برداء أسود كبقية ملابسها يقيها لسعة البرد في الصباح . ثم سألها عن حالها بمحبة فلم تجبه وأغمضت عينيها كأنها تتناسي وجوده او بالأحري تتناسي وجودها هي , ثم جال ببصره في عربة القطار فتنبه الي ان المحيطين به ينظرون اليه كأنهم ينتظرون منه تفسيرا .
جلس الرجل في مقعده كأنما ينتظر أن يجاذبه أحدهم أطراف الحديث حتي يبوح بمكنون صدره , فسأله أحد الشباب عن قداحة " ولاعة" , فأجابه انه لا يدخن ثم استرسل من تلقاء نفسه ناصحا الشاب بضرورة المحافظة علي صحته , فهو في عمر ابنه تقريبا , وهو ذاهب لوداعه قبل ان يسافر الي وجهته الجديدة التي لم يفصح عنها في حربه ضد الارهاب الاسود الذي ابتلينا به , ابنهم الوحيد الذي انفطر قلب والدته لفراقه ونال منها الحزن حتي أتعبها .
وما ان سمعته زوجته حتي انخرطت في البكاء بصوت مسموع وبدأ الجميع في تهدئتها , وكلما هدأت عادت للبكاء من جديد , وكانت تنظر لزوجها كأنها تعاتبه للافصاح عن سبب حزنها الذي قد لا يقدره البعض . بالطبع لن يقدره إلا من ذاق ما هي فيه من ألم , انه ابنها وهل يقدر تلك العاطفة إلا أم مثلها ؟
أخرجها من تساؤلاتها كلام وجهته إليها احدي السيدات التي تجلس في مقابلها قائلة
- احمدي ربنا ان ابنك لسه هيسافر ورايحة تسلمي عليه , أنا ابني اتصاب في الحرب دي .
وجاء صوت احد المسافرين من احد اركان عربة القطار قائلا
- انا اولادي الاتنين في الجيش مش ابن وحيد !
- اجاب الزوج الحزين وهل هناك فارق ان يكون ابنك الوحيد او ابنيك في هذه الحرب , ان المحبة النابعة من قلب الاب والام لا تقسم بين الابناء ولكن تمنح بالكامل لكل ابن وان كنت اعاني من اجل ابن وحيد فلا يعني ذلك انني اعاني نصف معاناتك بل يعني انك تعاني ضعف ما اعانيه أنا .
- ولكن - لا قدر الله – لو أصاب مكروها أحد ابنائك , هل يغنيك وجود احدهما عن الاخر ؟
- أجاب المسافر بالطبع لا , اعتقد ان حياتي ستنتهي معه !
وانفعل احد الشباب المسافرين وكان مرتديا للزي العسكري قائلا " نحن جميعا فداء للوطن , ومن اشرف النهايات ان تموت دفاعا عن وطنك وان تنتهي حياتك لتهب للاخرين الحياة " . قد تكون هذه الرحلة هي اخر رحلة لنا بهذا القطار ولكننا لانهتم !
اما الزوج الحزين فقد تحدث بلوعة وهو يغالب دموعه " لا شيء يضاهي الدفاع عن الوطن بالفعل ولكن عاطفة الابوة لا تصمد امام الموت لاحد الابناء , ان الموت هو الموت بالنسبة للقلب والألم لا يضاهيه ألم . ولكن هكذا هي حياة الشباب والتي عشناها يوما , لا يهابون شيئا وربما كان ذلك هو السبب في انهم يحيون ."
انهم يموتون في سبيل وطن يحيونه ولذلك علي الاقل فهم يموتون سعداء ,قالها المسافر وقد بدت كلماته وكأن رعدة تسري فيها , ثم انهي حديثه بصوت اقرب للهمس قائلا " لقد استشهد ابني , وانا اعلم انه سعيد وقضي نحبه في سبيل ما يحب .... وطنه ..... وفي تلك اللحظة قام العديد من المسافرين بالشد علي يده وتقبيل جبهته وقد بدا قويا متماسكا .
في هذه اللحظة فقط بدت الزوجة الحزينة وكأنها قد تنبهت من غفلتها ونظرت للمسافر قائلة ... هل مات ابنك بالفعل ؟ هل مات ؟
لم تتلق اي اجابة من المسافر الذي بدا متماسكا لبرهة حتي انفجر في البكاء كالاطفال قائلا ...
نعم ... نعم لقد مات .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق