------------------------------------------
بينما كــــانَ عدنانُ يتنزَّهُ ذاتَ يوم ٍ إِذْ بطائرةٍ تُحلِّقُ في الفَضَاءِ، فَأَحَبَّ عدنانُ أَنْ يعرفَ سِرَّ تَحْليقِ هَذهِ الطَّائرةِ، فَخَطَرَتْ لَهُ فِكْرَةٌ، وَهِيَ الذِّهابُ إِلَى المَكْتَبَةِ وَالاطِّلاعِ عَلَى كَتِبِهَا عَلَّهُ يَجِدُ شَيْئاً عَنْ عَمَلِ الطَّائِرَةِ.
أَخَذَ عدنانُ يقرأُ جميعَ الكُتِبِ الَّتي تَتَحدَّثُ عَنْ تَاريخِ الطَّائرةِ وَاخْتراعِهَا، وَاسْتَغْرَقَ ذَلكَ وَقْتاً طَويلا حَتَّى أَصْبَحَ مُلِمًّا بكلِّ صَغيرةٍ وكبيرةٍ عن الطَّائرةِ.
وفي أَحَدِ الأَيَّامِ جَالَ في خاطرِ عدنانَ أَنْ يَخْتَرعَ طَائرةً كَتِلْكَ الَّتي شَاهَدَهَا في السَّمَاءِ، وَاعْتَكَفَ صَديقُنَا عَدنانُ في غُرفَتِهِ الخَّاصِةِ يَعْمَلُ تَصميمَ الطَّائرةِ الَّتي يَنْوي اخْتِرَاعَهَا، وَالْمَوادَ الَّتي يَحْتاجُهَا لإنْجازِ هَذَا الْعَمَلِ الشَّاق.
وَفي اليومِ التَّالي ذَهَبَ عَدنانُ إِلى الغَابةِ وَقَطَعَ الأَخْشَابَ الَّتي حَمَلَهَا إِلى بَيْتِه، وَبَدَأَ في اختراعِهِ الجَّديدِ، فَقَطَعَ الأَخْشَابَ وَصَنَعَ مِنْهَا عَتْلَةَ القِيَّادَةِ، إِضَافَةً إِلى أَجْهِزَةِ السَّيْطَرَةِ وَبَاقي الأَجْزَاءِ حَتَّى أَتَمَّ عَمَلَهُ بِكِلِّ بَرَاعَةٍ وَإتْقَانٍ.
الْعَمَلُ الَّذي أَنْجَزَهُ عَدنانُ لَمْ يَكُنْ سَهْلاً عَلَى الإطْلاقِ، بَلْ اسْتَغْرَقَ ذَلكَ قرابةُ السَّنةِ حَتَّى أَتَمَّ صناعَةَ الهيكلَ بعدَ أَنْ غَطَّاهُ بالأَلمنيومِ الْخَفيفِ وَاضِعاً كُلَّ التَّجْهيزاتِ مِنْ عَجَلاتٍ وَمُحَرِّكٍ وَمَعَدَّاتِ الْهُبُوطِ وَقَوَاطِعَ الأَجْنحةِ وَالمَرْوَحةِ وَخِلافِ ذَلِكَ.
في السَّابق ِتَدَرَّبَ عدنانُ مع أَحَدِ الطَّيارينَ المُتْقِنينَ لِفَــــنِّ القِيَادَةِ، ولذلكَ فَكَّرَ أَنْ يُحلقَ بطائرتِهِ مُنْفَرداً دُونَ اسْتشَارَةِ أَهْلِ العِلمِ وَالْخِبْرَةِ، وَالنَّتيجَة الفشلُ الذريعُ بسبب قِلَّةِ الخبرَةِ وَعَدَمِ التَّرْكيزِ أَثْناءَ الْقِيَادَةِ.
في يوم ٍ مشمسٍ فَكَّرَ عدنانُ بالتحليقِ مجدداً دونَ خوفٍ ، فَدَخَلَ غرفةَ القيادةِ وَبَدَأَ في عمليةِ التشغيلِ ، وَفَجْأَةً دونَ سابقِ إِنْذارٍ بدأتْ الطائرةُ بالارتفاعِ التَّدريجيِّ ، فَصَرَخَ عدنانُ : لَقدْ نَجَحْتُ.. لَقَدْ نَجَحْتُ.. وَمَضَى مُحلِّقاً في الفَضَاءِ فترةً طويلةً غيرَ مصدِّق ٍ لِمَا جَرَى، حَتَّى قَرَّرَ العودةَ إِلى منزلِهِ والهبوطُ في حديقةِ المنْزِلِ الفَسيحةِ؛ لِتكونَ مَحَطًّا لطائرتِهِ المُدْهِشَةِ.
عندَ وصولِ عدنانَ الحديقةِ حَدَثَ مَا لَمْ يكنْ في الْحُسْبَانِ، فَأَثْناءِ عمليةِ الهُبوطِ تعطَّلَتْ عَجَلاتُ الطائرةِ، وَنَفدَ الوَقودُ وَتأَخَّرَ الوقتُ!
صَرَخَ عدنانُ يا إلهي ماذا أَفْعلُ في هذه المحنةِ الشَّديدةِ؟ وفي الوقتِ نفسِهِ كَانَتْ الطَّائرةُ تَهْتَزُّ بِشَكْل ٍ جُنُونيٍّ، فَكَانَ لا بُدَّ مِـنَ المُجَازَفَةِ، وَالاتِّكَالِ عَلَى اللهِ سُبحانَهُ وَتَعَالَى.
قَرَّرَ عدنانُ القيامَ بعمليةِ الهبوطِ الاضطراريِّ المفاجئ، فَحَدَثَ اختلالٌ في توازنِ الطَّائرةِ وَابْتعادِهَا عَنْ مكانِ الهُبوطِ لِتَصْطَدِمَ بأَحَدِ الصُّخورِ وَتَتَحَطَّمُ.
أَمَّا عدنانُ فَقَدْ نَجَا بمشيئةِ اللهِ مِنْ مَوْتٍ مُحقَّق ٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِصَاباتِهِ البَليغةِ في مختلفِ أَنْحَاءِ جِسْمِهِ، وَبَقِيَ هَكَذَا دَاخلَ حُطَامِ طَائرَتِهِ في حالةِ إِغْمَاءٍ.
صَحَا عدنانُ مِنْ حَالَةِ الإِغْمَاءِ الَّتي أَصَابَتْهُ، وَلكنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِراً عَلَى طَلَبِ النَّجْدَةِ ذلكَ أَنَّ سُوءَ حَظِّهِ قَدْ أَرْسَلَهُ إِلَى مَنْطِقَةٍ صَحْرَاويَّةٍ مَهْجُورَةٍ وَنَائَيَّةٍ عَنِ النَّاسِ!
أَخَذَ عَدنانُ يُقاومُ الأَلَمَ حَتَّى اسْتَطاعَ الخُروجَ مِنَ الطَّائرةِ، وَلكِنْ إِلَى أَيْنَ؟ إِلى الصَّحراءِ الرَّهيبَةِ.
بَدَأَ عدنانُ يبحثُ هُنَا وهناكَ عَلَّهُ يجدُ أَحَداً فَيُنْقِذُهُ مِمَّا هُوَ فيهِ ، وَلكِنْ دُونَ أَيَّةِ فَائدةٍ.
أَمَّا أُسْرَةُ عدنانَ فَقَدْ افْتَقَدُوهُ، وَلَمْ يَعْثُرُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ عَلَى الرَّغمِ منْ مَعْرِفَتِهِمْ لِقِصَّةِ طَائرتِهِ المَجْنُونَةِ، فَطَلَبُوا النَّجْدَةَ مِنْ رجالِ الأمنِ الَّذينَ لَمْ يُقَصًِرُوا في أَدَاءِ وَاجِبِهِمْ ، فَاسْتَخْدَمُوا إِحْدَى طَائِرَاتِهِمْ الخَاصَّةِ ؛ للبحثِ عنْ عدنانَ في الصَّحْراءِ المُمْتَدَّةِ.
أَمَّا الأَخُ الأَكْبَرُ لعدنانَ وَاسْمُهُ معتَّز فَقَدْ كانَ منْ ضمنِ فرقةِ الإنْقاذِ، وَمنَ الطَّبيعي أَنْ يكونَ قَلِقاً عَلَى مَصيرِ أَخيهِ الصَّغير، وَفي أثناءِ عمليةِ البحثِ صاحَ أَحدُ أَعْضاءِ الفرقةِ: انْظُرُوا هناكَ، إِنَّها طائرةُ عدنانَ بلا شَكٍّ، فَلْنُحَلِّقُ عَلَى ارتفاعٍ مُنْخَفِضٍ حَتَّى نَــــرَاهَا بوضوحٍ، وَنَقْطَعُ الشَّكَّ باليقينِ، حينئـذ ٍ صَـــاحَ معتزٌّ (شقيقُ عدنانَ) إِنَّهَا طائرةُ أخي بالفعلِ ... أَرجو اللهَ أَنْ يكونَ بخيرٍ وسلامةٍ.
وَهبطتْ طائرةُ الإنقاذِ بالقربِ من طائرةِ عدنانَ المحطَّمَةِ ، وَأَخَذَ الجميعُ يجولونَ ببصرِهم أَرْجاءَ الصَّحراءِ بَحْثاً عَنْ عدنانَ حَتَّى تَمَّ العُثورَ عَلَيهِ مُلْقًى على الأرضِ يَتَرَنَّحُ من شِدِّةِ الأَلَمِ... عندئذٍ قَالَ عدنانُ : حَمْداً للهِ عَلَى مَجيئِك يَا أَخي فَقَدْ كُنْتَ بانْتِظَارِكَ ، أَمَّا قائدُ الطائرةِ الخَاصَّةِ للإنقاذِ فَقَدْ بَدَأَ بإسعافِ عدنانَ إِسْعَافاً أَوَّلِياًّ رَيثما يَتمُّ نَقْلَهُ إِلَى المُستشفــى ، فَقَامَ بتثبيتِ الأعضاءِ المكسورةِ بالخشبِ حَتّى لا تتضاعفُ الكسورُ.
في النهايةِ تَمَّ حَمْلَ عدنانَ إلى الطائرةِ بمساعدةِ أَعْضاءِ الفرقةِ الَّذين أَشَادُوا بشجاعةِ عدنانَ وقدرتِهِ عَلَى تَحَمِّلِ الصِّعَابِ وَالأَلَمِ ، وَفي الوقتِ ذاتِه عِاتِبَ مُعتز شقيقَهُ عِتَاباً مُرًّا ؛ لأنَّه لمْ يُخْبِرْهُ بأمرِ طائرتِهِ ، وَنِيَّتِهِ بالتَّحليق ِسِرًّا ، فَاعْتَذَرَ عدنانُ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُ وَوَعَدَ أَخيهِ بأَنْ لا يُقْدِمُ عَلَى عَمَلٍ يَحْمِلُ طَابعَ المغامرةِ دونَ استشارتِهِ ، وَالاستعانةِ بأَصحابِ الخبرةِ إذا لَزمَ الأمْرُ ، آنذاك رَدَّ قائدُ الطائرةِ مُوجِّهًا كلامَهُ لعدنانَ : أَحَسَنْتَ يَا عدنانُ فَمِنَ الخَطَأ أَنْ يحكمَ الشَّخْصُ عَلَى نفسِهِ بأنَّهُ الأفضلُ دونَ استشارةِ أَصْحابِ الأمرِ والمعرفةِ ، ودونَ الاستفادةِ منْ خِبْراتِ الآخرينَ...

قرأتها كطفل ..اعجبتني..بالتوفيق و مزيدا من العطاء
ردحذف