للمرة الأولى يجلس رضوان بحرية أمام جهاز تلفيزيون،دون أن يقطع عامل مقهى مزعج خلوته مع فيلم جميل أو فيديو كليب لأجل ماتش كورة للزمالك أو الأهلي،أو اللهاث خلف ماتشات محمد صلاح.
وبدت خولة في الثياب الأنيقة كهانم أو أميرة،كبنات الأثرياء المتعلمات،وبدأت بجدية تحضر فصول محو الأمية وتتعلم بسرعة وتقرأ بشراهة،وكان رضوان يتعجب لقدرة الثياب على تزييف الأشياء،وكيف يمكن للأناقة أن تجعل اللص جميلا،والقاتل وجيها،والفاسد محترما،ويقول لنفسه،دنيا من ذهب قشرة مغشوش،ويتذكر عبد المنعم مدبولي الممثل الذي يحبه وتدور أغنيته الشهيرة في رأسه فيمسك الناي ويدندن.
زمان زمان وليالي زمان
كان الزمان إنسان
وعندما تراه خولة يحاول السفر إلى دنيا الطهر والنور تشده إلى عالمها الفاقع الألوان الحار،فينسى معها حياته القديمة والفقر وخطاياه التي أتمت ثالوثها المقدس،فزنى وسرق وقتل.
أحيانا يحن إلى المسجد،للصلاة،لأطفال القرية،للعصافير.لرائحة أمه ريحانة التي لم تحترق في حريق عشته.
تذكر أنه لأول مرة يسكن مكانا آدميا بدون مكتبة،وقرر أن يعيد تأسيس مكتبته من جديد،أوحشه تولستوي وتشيخوف وماركيز وكازنتزاكيس،أوحشته ألف ليلة وليلة،أوحشه كتاب عظيم جدا يسكن أعماق روحه المعذبة وجسده العامر بالخطيئة،لقد أوحشه القرآن،أوحشه سفر التكوين في التوراة،أوحشه انجيل متى،أوحشه عمر الخيام وهوميروس وشكسبير،وفكر وفكر.
أما خولة الذئبة العارمة،فكانت تحاصره بالحلوى كل حين.
ويحكي لها أحب قصة إلى قلبه،ويناغشها ويقول لها كان ياما كان،كان هناك شاب فقير اسمه رضوان،يعيش في رضا وراحة بال،ينظف المسجد ويؤذن للصلوات،وذات يوم التقى درويشا مسكينا،فسأله كيف يمكن للفقير أن يغتني؟
وقال المسكين: اسمع ليس هناك غنى مع زنا،وإن اجتمعا لحين افترقا إلى أبد الآبدين،وقال له الغنى في الرضا،وحكى له عن الشاب القوي الذي قرر أن يذهب إلى مدينة الذهب ليحمل منها كنزا ويعود،لكن حكيم القرية أخبره أن اليوم في مدينة الذهب بمائة عام،وطاف الشاب بالمدينة وكلما اختار قطعة ذهب أو جوهرة تركها وأخذ أخرى،ومر اليوم بسرعة،وقد ملأ جوالا كبيرا من الذهب والجواهر،وعندما حاول حمله على كتفه ليعود من حيث جاء عجز عن ذلك.
فقد أصبح رجلا عجوزا جدا عمره مائة وعشرون سنة،وثقلت قدماه وعجز عن مغادرة كهف الذهب وهناك فوق جواله الممتليء بالجواهر عاد ترابا ولم يبق منه سوى عظمة يا ولدي مثل ناب الذئب.
وتتنهد خولة وتحن للسلام الداخلي الذي فقدته بالانتقام من عمها ساطع،وتقول كان يمكننا أن نسامحه ونتركه لحال سبيله.
ويدمع رضوان ويقول ما شاء الله كان ويمسك الناي وينفخ ويترنم
(مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها)
ويلتصقان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق